أحمد بن علي القلقشندي
183
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وينهي ورود مشرّفة مولانا القديم فضلها ، الكريم وصلها وأصلها ، فوقف المملوك عليها ، وأصغى بجملته إليها ، وعلم ما رسم به مولانا ، وأشار إليه تبيانا ، وكذلك بلَّغه مملوكه الولد فلان المشافهة الكريمة فحبّذا من صاحب السّرّ إسرارا وإعلانا ، وشكر لهما مشرّفة ومشافهة أوردا الإحسان مثنى مثنى ، وسرّا سمعه المملوك لفظا واستهداه معنى ، فما مننهما في الإحسان إلَّا زائدة ، ولا في الصّلات إلَّا عائدة ، لا جرم ( 1 ) أنّ المملوك أقبل على قبيلهما بسمعه وناظره ، وقلبه وخاطره ، وجملته وسائره ، وامتثل الإشارة العالية الَّتي من حقّها أن تقدّم على كلّ مهمّ يرد عليه ، وأمر يتوجّه إليه ، ويد الزمان مشكورة يأخذها منه بكلتا يديه ، وعيّن المملوك لوقته الإقطاع المطلوب ، وتقدّم بكتابة مربّعته حسب ما رسم من تجري السعادة من سطره تحت مكتوب ، وجهّزها قرين هذه الخدمة ومن ذا يقارن سبق ذلك البرّ المديد ، وكيف توازي المربّعة كتابا هو بالإحسان للعنق تقليد ؟ لا برحت مراسم مولانا معدودة من رسوم نعمه ، ومشرّفاته محسوبة من تشريفاته الَّتي يخلعها على أبناء محبّيه وخدمه . النوع الثاني عشر ( في الشكر ) قال في « موادّ البيان » : رقاع الشكر يجب أن تكون مودعة من الاعتراف بأقدار المواهب ، وكفاية الاستقلال بحقوق النعم ، والاضطلاع بحمل الأيادي ، والنّهوض بأعباء الصنائع ، ما يشحذ الهمم في الزيادة منها ، ويوثّق المصطنع بإفاضة الصّنع ، ويعرب عن كريم سجيّة المحسن إليه . قال : وينبغي للكاتب أن يفتنّ فيها ، ويقرّب معانيها ، وينتحل لها من ألفاظ الشكر أنوطها بالقلوب ، لتستيقن نفس المتفضّل أنه قد اجتنى ثمرة تفضّله ، وحصل من الشكر على أضعاف ما بذله من ماله أو جاهه ، إلَّا أنه ينبغي
--> ( 1 ) لا جرم : لا بدّ ولا محالة . لسان العرب ( جرم ) .